الأدلة الفطرية
قال الشيخ ابن عثيمين :
دلالة الفطرة على وجود الله أقوى من كل دليل لمن لم تجتله الشياطين ، ولهذا قال الله تعالى ( فطرت الله التي فطر الناس عليها ) الروم/30 ، تفسير بعد قوله : ( فأقم وجهك للدين حنيفاً ) فالفطرة السليمة تشهد بوجود الله ولا يمكن أن يعدل عن هذه الفطرة إلا من اجتالته الشياطين ، ومن اجتالته الشياطين فقد يمنع هذا الدليل .
قال ابن تيمية:
''إن الإقرار والاعتراف بالخالق فطري ضروري في نفوس الناس، وإن كان بعض الناس قد يحصل له ما يفسد فطرته حتى يحتاج إلى نظر تحصل له به المعرفة''
قال ابن عاشور:
"الفطرة هي النظام الذي أوجده الله في كل مخلوق، والفطرة التي تخص نوع الإنسان هي ما خلقه الله عليه جسداً وعقلاً، فمشيُ الإنسان برجليه فطرة جسدية، ومحاولته أن يتناول الأشياء برجليه خلاف الفطرة الجسدية، واستنتاج المسببات من أسبابها والنتائج من مقدماتها فطرة عقلية، ومحاولة استنتاج أمر من غير سببه خلاف الفطرة العقلية".
قال ابن عطية:
"والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أي الفطرة أنها الخلقة والهيئة التي في نفس الإنسان التي هي معدة ومهيئة لأن يميز بها مصنوعات الله، و يستدل بها على ربه ويعرف شرائعه".
أقوى من أي دليل آخر، علميا كان أو عقليا. فالفطرة هي الأساس التي تبنى عليه المعارف الإنسانية جميعها، وعلى رأسها معرفة الخالق سبحانه.
وهذه الفطرة هي الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم قبل أن يخلقوا، وجعل منه حجة قائمة
عليهم، كما قال تعالى:
والقول بفطرية الاعتقاد بوجود الله ليست خاصة علماء الإسلام، بل هو أمر يقرّ به جماعة من الفلاسفة المعاصرين.
منهم الفيلسوف الأمريكي ألفين بلانتنجا ''
Alvin Plantinga ''، الذي يصرّ على أن ''الإيمان شعور فطري''، وأن الاعتقاد في وجود الإله مثل الاعتقاد في مفاهيم أساسية أخرى، كالاعتقاد بأن للآخرين عقولا كعقولنا، والاعتقاد في صحة حواسنا، والقول بأن الكل أكبر من الجزء
مما يدل على صحة هذا الأصل العظيم: ملازمة التدين لتاريخ البشرية.
تاريخ البشر :
فملاحظة تاريخ الأمم والحضارات والأديان توصل إلى نتيجة مشرقة واضحة،
لاحظ العلماء أن جميع الأمم التي درس علماء تاريخ الأديان تاريخها اتخذت معبودات تتجه إليها وتقدَّسها ، و لا يوجد عَلَى الإطلاق في أي عصر من العصور ، و لا في أي أمة من الأمم مجتمع بلا دين و لا بلا إله معبود ، حقاً كَانَ أو باطلاً فهناك اتجاه فطري إِلَى أن يكون هناك دين ، و إله معبود حتى قال بعضهم : (( لقد وجدت وتوجد جماعات إنسانية من غير علوم وفنون وفلسفات ، لم توجد جماعة بغير ديانة )) فالشعور الفطري بوجود خالق مدبر لهذا الكون شعور مشترك بين جميع الناس مغروس في النفوس، يقوم في نفس الطفل الصغير،و الإنسان البدائي والإنسان المتحضر، والجاهل والعالم والباحث والفيلسوف، كل هؤلاء يشعرون بشعور مشترك لا يستطيعون دفعه عن أنفسهم .
وهذا يدل على أن التدين وقبله الإقرار بوجود خالق للكون مدبرٍ له: أمر فطري متجذر في النفوس، يشترك الناس فيه، على اختلاف أحوالهم وعلومهم وبيئاتهم.
ولذلك كان وجود الله من الأمور المركوزة في الفطَر البشرية
فإن كل إنسان كائنا من كان يحسّ من تلقاء نفسه أنّ له رباً وخالقاً ويشعر بالحاجة إليه
ولا ينفك عن العجز الذاتي، الذي ينمّي فيه الشعور بالافتقار إلى إله قادر مدبر، ويجبر نقصه . وإذا وقع في ورطة عظيمة اتجهت يداه وعيناه وقلبه إلى السماء يطلب العون من ربه .
والفطرة هي: ''الخلقة التي خلق الله عباده عليها، وجعلهم مفطورين عليها، وعلى محبة الخير وإيثاره وكراهة الشر ودفعه، وفطرهم حنفاء مستعدين لقبول الخير''
أن بني آدم أجمعين لهم شعور يشتركون فيه، هو اللجوء إلى الخالق سبحانه عند الشدائد. فالإنسان ولو كان مشركا يفزع عند المصيبة إلى ربه سبحانه، ويلتجئ إليه وحده دون غيره من المعبودات الباطلة، بل إن اعتداده بنفسه وقدراته الشخصية يتزعزع عند الحاجة، ويشعر في قرارة قلبه بافتقاره إلى ربه، وإن أظهر غير ذلك دفعا للحرج، واعتزازا بالإثم.
وقد قرر القرآن الكريم هذا المعنى في قوله تعالى: { وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما، فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه. كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون } (يونس:12). تفسير
وقد يعترض بعض الناس بأن هذا ليس مطردا في تاريخ الإنسانية، بدليل ما نراه في هذا العصر من كثرة الملاحدة اللادينيين!
والجواب: أن الكثرة لا تعني الأكثرية، فهم كثيرون حقا – لأسباب مختلفة – لكنهم مع ذلك أقلية إن قورنوا بالمتدينين. فالإلحاد يبقى إذن استثناء مخالفا للأصل في البشر، وهو لذلك يحتاج إلى البحث في أسبابه، كما يبحث في سبب كل ما يخالف الأصل المستقر.
ونحن حين نقول بفطرية معرفة الله تعالى، لسنا نزعم أن هذه المعرفة تبقى ملازمة للإنسان في كل أحواله، كما لا نزعم أنها تبقى سالمة لا تتأثر بالعوارض الخارجية ومؤثرات البيئة المحيطة. ولأجل ذلك فإننا نقرر أنها تحتجب أو تنتكس أو تتزعزع، فتأتي الشدائد لتكشف الحجاب، وتزيل الغشاوة وتبطل أثر المؤثرات الخارجية.
ومما يدل على ذلك أيضا: أنه لو فرض أن معرفة وجود الله ليست فطرية، بل هي نظرية تحتاج إلى إقامة الدليل عليها، فإنه لا بد من وجود علوم فطرية ضرورية ينتهي الاستدلال إليها، ولا يقوم إلا بها، وإلا لزم التسلسل.
اعتراض على دليل الفطرة:
من أشهر ما يعترض به على دليل الفطرة قول بعضهم:
إذا كان وجود الله مستقرا في الفطر، فلِمَ يؤثر عن بعض الناس إنكارهم لوجوده؟
والجواب: أن الإقرار بوجود الله إنما هو في حق من سلمت فطرته من الانحراف، أما من تعرض لأعاصير الشبهات حتى اقتلعت الفطرة السليمة من قلبه، فإنه يحتاج إلى نصب الأدلة العقلية، وجمع البراهين العلمية.
وفساد الفطرة وتغيرها ليس أمرا محالا ولا بعيدا، فإن الإنسان قد يكون في بيئة ضالة منحرفة، فتتسرب إلى قلبه مؤثرات كثيرة، تبعده عن سواء السبيل.
وهنالك وجه آخر في الجواب، وهو: أن المخالفين للفطرة، القائلين بإنكار الخالق، قلة قليلة في عموم البشر عبر التاريخ، كما سبق بيانه.
ثم إن كثيرا منهم ينكر وجود الله في الظاهر، مع إقراره بوجوده في الباطن؛ كما ذكر الله تعالى عن فرعون وقومه في تعاملهم مع آيات الله سبحانه: { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا } (النمل:14). تفسير
الأدلة الفطرية
Reviewed by belal
on
أغسطس 13, 2018
Rating:
Reviewed by belal
on
أغسطس 13, 2018
Rating:









ليست هناك تعليقات: